القاسم بن إبراهيم الرسي
369
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
ورسوله ، لا فيما أنكر وفنّن فيه من هذيان قيله ، فإذا ثبتت الحجة فيهما ، وأقمنا دليل الحق عليهما ، علم بعد إقامة الدليل ، أن الحكمة ثابتة موجودة في التنزيل ، جهل ذلك أو علم ، أو توهّم فيه أو لم يتوهم . فدليل معرفة اللّه الذي لا يكابر ، وشاهد العلم باللّه الذي لا يناكر ، ما أرى وأوضح مما تراه « 1 » أعين الناظرين ، وتحيط بالتحديد فيه أفكار المفكرين ، من الأشياء كلها في تأثير مؤثّرها ، وتصوير صور مصوّرها ، وتناهي أقطار موجودها ، وظاهر افتطار محدودها ، وما ذكره منها ذاكر ووصفه واصف ، أو تصرف بوصفه من الواصفين لها متصرف . ففيه لمن نظر وأنصف ، وعدل في النظر فلم يحف ، « 2 » دليل على حدوث الأشياء مبين ، وشاهد ثابت - لا يدفع - مكين ، إذ الأشياء كلها محدود ، والآثار في قائمها موجودة ، ومعلوم بأن التحديد إذا وجد لا يكون إلا من محدّد غير محدود ، ولا أثر إذا عوين « 3 » إلا من مؤثّر موجود ، ولا تصوير مصوّر إلا من مصوّر ، ولا فطرة مفطور إلا من مفتطر ، كما لا يكون كتاب وجد إلا من كاتب ، ولا تركيب إذا كان إلا من مركّب ، ولا فعل ما كان إلا لفاعل ، ولا مقال قيل إلا من قائل ، فاللّه تعالى مؤثّر كل مؤثّر ، والفاطر جل ثناؤه لكل مفتطر ، لا ينكره إلا مناكر ، ولا يأبى الاقرار به إلا مكابر ، والمناكر فغير منكر ، والمكابر « 4 » فغير مستنكر . فلمن أنهج إلى معرفته السبيل ، وأوضح بمنته الدليل ، الشكر على إبانة التعريف ، ووضوح « 5 » دلالة التأليف ، التي لا يضل عنها إلا متضالل ، ولا يجهل معلومها إلا متجاهل ، ولا يبور « 6 » على اللّه فيها إلا خاسر ، ولا يجور عن قصدها إليه إلا جائر . وإذا ثبت تأثير الأشياء كما قلنا ، واستدل امرؤ عليه من حيث استدللنا ، فمعلوم
--> ( 1 ) الفاعل في أرى وأوضح ضمير مستتر تقديره هو عائد على اللّه . وفي ( أ ) و ( ج ) : تراعيه . وفي ( ب ) و ( د ) : ترى عنه . ويبدو أنهما مصحفتان . ولعل الصواب ما أثبت . ( 2 ) الحيف : الميل . ( 3 ) في ( ب ) و ( د ) : إذا عرف . ( 4 ) في ( ب ) و ( د ) : ومن كابر . ( 5 ) في ( ب ) و ( د ) : وأوضح . ( 6 ) في ( أ ) و ( ج ) : ينور . وفي ( ب ) و ( د ) : مهملة بغير إعجام . والبوار : الهلاك والكاد .